على تويتر على الفيسبوك الخلاصات

ضع النص هنا

أنا والدّجَاجَةُ

6 تعليق الخميس, يونيو 20, 2013 , مرسلة بواسطة رشيد أمديون. أبو حسام الدين

الدجاجةُ من الطيورِ الغريبة التي لها تصرفاتٍ مضحكة لو قمنا قليلا -أو كثيرا- بتأملها، وخاصةً عندما يشتدّ عليها وجع الوَضْعِ، فتصير مجنونة تترنّحُ وتُنقنِقُ (وتصرخ العداو العباد الله)، ولا تعلم لها وجهة توليها. كما أنّ صوتها من الصَعبِ استحماله،.. مزعجٌ للغاية، تسمعها تنقنقُ وتنقنق إلى أن تشعرَ أنَّ رأسك صارت فيه فرقة تعزف الضجيج، ولو أنّك -افترضا- حاولت أن تُخرسِها فلن تفلح إذًا أبدًا (فلا تفكر في ذلك)، بل إنّها تزيد في الإيقاعِ، خصوصًا لو سوّلت لك نفسكَ أنْ تحاربها، فترفعُ يدكَ مُلوّحًا لتطردها، أو ترميها بشيء ما، فستحدثُ صوتًا سريعًا يعبّر عن الخطر والخوف، شبيها بكركبة... ثم تبتعد منكَ قليلا فما تكاد تنساها، حتى تستأنِفُ أنشودَة النّقنقةِ من جديد، وبنَفَسٍ أقوى، نِكايةً فيك.

ذاتَ عامٍ من هذه الأعوامِ الأخيرة التي يأتي فيها رمضانُ بالصّيف، كنتُ بعدَ أنْ أعودَ من صلاة الفجرِ بالمسجد، أفضّل أن أنامَ إلى أن تُشرقَ الشّمسُ. ومن سَيّئِ عاداتي أنّ النوم لا يأتني بسهولة ويُسرٍ، لأنّي حين أستيقظ قبل الفجر ثمّ أعودُ بعده أكونُ قد أزحتُ عنّي كل آثار النوم، كأني أقطع حبلا متصلا ويصعبُ ربطهُ أو ترميمه، مما يجعلني أتقلّبُ في الفراش إلى أن يرتفعَ الضيّاءُ، ويرتدي الوجودُ حلّة النّور البهيّة. وكانت بجوار البيت دجاجة مشاكسة، لا يحلو لها الطّربُ والإنشادُ إلا بعدَ أن يبدأ الصّباحُ في إبراز ملامح النّور، وبالذات في الوقت الذي أكون أنا فيه أطاردُ خيطَ النومِ الهارب. فكانت (بنت الذينَ) ترفعُ صوتها كأنّها تفعلُ ذلك عُنوةً، وتدركُ أنّي أريدُ النوم، والمصيبة أنّها لم تكن تلك السنة وحدها بل كانت مع رفيقتها التي ترد عليها الموّال بطريقةٍ تشبهُ التّجاوبَ الموسيقي عبر الآلات، لكنّ هذا التجاوب الدّجاجيّ مزعج للغاية، أو كأن رفيقتها تساندُها في الكورال، فتحدثان أوركسترا خاصة، وتغنيان ما لم يُغنّهِ عدويّةُ في أيّامِه الخوالي، ولا حكيمُ في هذهِ الأيّام. لم أكن أستطيعُ إغلاق النافذة لأن حرّ الصيفِ لا يُطاق، فأبقى أنتظرُ الدّجاجةَ العنيدة ورفيقتها التي ترد عليها لازمة النقنقة أن تبتعدا من جوار النافذة العالية، كي أنعمَ بنوْمةٍ هنيئة، فأظل أتقلبُ وأتقلب إلى أن تبتعدا -إن هداهما الله- فأحاولُ بعدها أن أنام، هذا إن لم توقظني من جديد مع أول غفوة لذيذة أكونُ قد تشبث بها، فعيبي أن نومي خفيف جدًا.

قوقَأة هذه المخلوقة غريبة، أجدُني أتساءلُ في أحيانٍ كثيرةٍ ما عساها تقول لنا، أو ماذا تحكي، أو ما الذي يؤلمُها؟ أَقد تكون -مثلا- تسبنا ونحن لا ندرك ذلك؟ بلى قد تسبُّ!!، خاصة لو أنَ شخصًا ما حاولَ طردها وملاحقتها، أو أخذَ بيضها من مكانها أثناء خروجها في جولة البحث عن الحَبّ على صعيدِ الأرض أو ما تسدُّ به رمقها كخبز يابس...، فتعود المسكينة إلى مكانها ثم تجدُ بيضها قد سُرقَ، ومجهودَها البدني قد استولى عليه فاعلٌ مجهول، ولو أنَّ الآخِذَ أبقى لها واحدةً لما أدركت أنّهُ قد تمّ السّطوُ على عشِّها، لأن الدجاجة لا تُحسِنُ العَدّ ولم تدرس مادة الحساب، فيكفي أن تجدَ بيضةً واحدةً بعد أن تتركَ أربعة، فتعودَ لاحتضانها، وهي تظُنُّ أنَّ هذا ما باضتهُ وهي راضية. أمَّا إنْ لم تجد شيئا فحينهَا تتأكدُ أن سارقًا ما قد استولى على ممتلكاتها الثمينةِ، فماذا تكون ردّة فعلها، غير القوقأة، تعبيرًا عن احتجاجها، وهنا أكيد أنها قد تسُبُّ وتلعنُ...، بعدها ستُغيّرُ المكانَ حتى لا تصلَ إليهِ يدُ البشر مرة أخرى.
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
كتبها: رشيد أمديون أبو حسام الدين، بتاريخ: 20/062013

تعديل الرسالة …

ِيُوجدُ فِي صِنف|

6 تعليق على | أنا والدّجَاجَةُ |

موناليزا يقول...
20 يونيو 2013 2:22 ص [حذف]

من أجمل ما قرأت اليوم :)

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...
20 يونيو 2013 12:16 م [حذف]

@موناليزا
أهلا بك أختي منى.
أرجو أن أكون رسمت على وجهك بسمة :)

Aml Hamdy يقول...
20 يونيو 2013 11:22 م [حذف]

أخذتني كلماتك للأرض والخضرة والطيور
أخذتني للحياة الرحبة بجمال تصويرك
وبرغم قلقك ومحاولاتك المستميتة لوصل خيوط النون الواهنة
إلا إني وجدت علاقة جميلة بينك وبين الدجاجة رغم محاولاتك المشاكسة للقصاص من صوتها المقلق
أبدعت رشيد في الوصف ماشاء الله
سلمت :)

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...
20 يونيو 2013 11:38 م [حذف]

@Aml Hamdy
هو موقف بقدر ما فيه من الغضب بقدر ما يحمل من دعابة وطرفة، وكثيرا ما ضحكت على حالي..
أشكرك أمل على قراءتك المتميزة.
سأنشر قريبا الجزء الثاني من تدوينة الدجاجة.

حنان يقول...
21 يونيو 2013 9:41 ص [حذف]

ههههههههههههه لو أنك جعلت منها طبق "مضهوصة غرباوية" ذات غذاء لتخلصت من نقنقتها كل صباح
استمتعت جدا سلمت يمينك

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...
21 يونيو 2013 10:48 م [حذف]

@حنان

مضهوصة غرباوية ما احلاها
ولكن الدجاجة ليس ملكا لي

شكرا لك حنان :)

اترك تعليقك على الموضوع

حرفٌ منك ضياءٌ للمكانِ