على تويتر على الفيسبوك الخلاصات

ضع النص هنا

ذِكرياتِي والمِذيَاع (1)

18 تعليق الأربعاء, يوليو 03, 2013 , مرسلة بواسطة رشيد أمديون. أبو حسام الدين
اَلإسْتِمَاعُ والإنْصَاتُ: 
يُحققانِ المُتعةِ والفَائدَة

   لَمْ أنْسَ تلكَ التّدْوِينَة الجميلة التي قامَ أ.ذ.محمد آيت دمنات بِكتابتِهَا مُنذُ بضعةِ أشهُرٍ. يَومهَا ترَكتُ لهُ تعليقًا طويلا لَو كُنتُ أعدْتُ صيّاغتَهُ واشتغلتُ عليهِ لصارَ صالحًا لِيأخذَ شكْلَ تَدْوينَةٍ مُستقلّةٍ تَحكِي علاقتي بالمذياع، عمَلا بالمقولَة المشهورَة "الشَّيءُ بالشَّيءِ يُذكَرُ". فبعضُ التَّدْوينَاتِ أتناءَ قراءتِها تأخذُ دورَ المُـحَفّزِ الأسَاسيّ علَى الكتابةِ، خاصَّةً إنْ كانَ مِحورُهَا مُشتَرَكًا بينَ الكَاتِبِ والقَارئ. وبمَا أنَّ أخِي محمد كَتبَ عن علاقتِهِ بالمذياعِ والإذَاعَة وسَاقَ ضِمْنَ مَا كَتبهُ بَعضَ الذِّكرياتِ التي تَخصُّهُ نَاثِرًا حَنِينَهُ بينَ السُّطُورِ لأيَّامٍ خَلَت، فإنِّي أدْرِكُ جيِّدًا تلكَ العلاقة الحَميمَة بينَ شخصٍ مُولَعٍ بموهبةِ السّماعِ والإنْصَاتِ، وبينَ المذياعِ كمَصدَرٍ للتَّلَقِّي في فترةٍ لمْ تَكُ فيهَا وَسائِلُ التَّواصُلِ الحَديثَةِ (الانترنت)، ولهذا فقد أعادني ما دَوَّنَهُ إلى فترةِ التِّسعينيَّاتِ منَ القرنِ الماضيّ، زمَنها كُنتُ لا أمَلُّ من سماعِ الرَّاديُو، وتَثبِيتِ مَوجَاتِهِ علَى بعضِ المَحطَّاتِ التي مَازلْتُ أتَذَكَّرُها جيِّدًا ومتابعة برامجها الـمُتَنوِّعةِ والمختلفة. وَقبْلَ أنْ أنْتقِلَ إلَى سَرْدِ علاقتي بالمذيَاعِ وتلْكَ البرامج التي تَابعتُها، اسْمحُوا لِي هُنَا أنْ أَفتَحَ قوْسًا لأتحدَّثَ أوَّلا عن مُـتعَةِ الإنْصَاتِ لكونها مَبدئيًا أرْفَع منْ مُـتعَةِ الكَلامِ. فمَنْ أحْسَنَ الإِنْصَاتَ أَحْسَنَ الْقَوْلَ، وَهنَا أسْتحْضِرُ مَا قالهُ الـمُفكِّرُ الفيلَسوف الـمَغربيّ د. طهَ عبد الرحمان في إحدَى مُحاضراتِه: "الإصغَاءُ أزْكَى مِنَ الإِلْقَـاءِ".
فمنَ الأكِيدِ أنَّ الإنصاتَ لأمرٍ مُـفيدٍ، يُستَحبّ، فبِهِ تَحصلُ الـمُتعةُ مع الفائدة، كمَا أشارتْ إلَيهِ آيَة صَريحة، حيتُ حَثَّتْ علَى الاستماعِ والإنصاتِ للقرآنِ حينَ يُقرأُ لِـمَا يحصُلُ من أجرٍ وفائدةٍ تُساويَّانِ أَجرَ وفائدةِ القارئ. غيرَ أنَّهُ لو حصَلَ الإنصاتُ لأمرٍ تَصوَّرناهُ-زعمًا- بلا فائدة من ورائهِ إلى حدِّ أنْ يَعدُّهُ البعضُ منَ اللَّغوِ، فأعتقدُ أنَّهُ في الحالتينِ معًا سيفيدُ الإنصاتُ، ولا يَضرُّ، فحتَّى الكلام الذي قد لا نتَّفِقُ معهُ مَبدئيًا وَجبَ أنْ نُصيخَ السَّمعَ لنُدرِكَ كُنْهَهُ؛ لنَفهمَ تفاصِيلَهُ، "فالحُكم علَى الشَّيءِ فرعٌ عن تَصَوُّرِهِ"، كمَا تَنُصُّ عليهِ القاعدةُ الـمَعروفة، فلا يمكنُ أنْ نَحكُمَ علَى شَيءٍ ونحنُ نجْهلُهُ، وإنَّهُ من مُقتَضيَاتِ الحُكمِ علَى الشَّيءِ أنْ نُدرِكَهُ، ويَحصُلُ الإدرَاكُ بالإنصاتِ أو بالقراءَةِ والبحث، ومِنها يُمكِنُ الخروج بالرَّأي الـمُخالفِ والنَّقيض، إنْ وُجِد. 
وإنَّ أدواتَ التَّلقِّي لابُدَّ أنْ تعملَ لنُحَصِّلَ الـمُراد. إضافةً إلى أنَّ الفائدةَ الـمُرتجيَّة قد تَكونُ خفيَّةً غيرَ واضِحةِ الملامحِ إلا بعدَ إعْمَالِ أدَواتِ التَّلَقِّي (السَّمع والبَصر)، وللعقلِ التَّحليل... وهناك ما هو حسِّيّ لا يمكن تصويره، بقدر ما تحيط به المعرفة.
وفي سيَّاقِ الإنصاتِ قِيلَ: إذَا جَالَستَ العالمَ فأنْصِتْ، وإذَا جَالسْتَ الجَاهِلَ فأنْصِتْ، فَفي إنْصَاتِكَ للعالمِ زيَّادَة عِلمٍ، وفي إنصَاتِكَ للجاهِلِ زِيَّادَة حِلمِ. 
   وعَوْدًا علَى بَـدْءٍ. وجدتُ أنَّ الاستِماع للمِذيَاعِ عادَة قد يَشتَرِكُ فيهَا كثيرٌ من النّاسِ وهو ما كانَ سائدًا قبلَ ظهورِ التِّلفازِ وانتِشارِهِ... لكنَّ الشَّيءَ المختلفِ والنادِرِ، أنْ أكونَ مُولعًا بالاستماعِ إليهِ ليلاً حينَ أضَعُ ثيّابِي للنَّومِ. فكانت جُفونِي لا يحلُو لهَا التَّغْمِيض إلا علَى صَوتِ مذيعي البَرامِج، أوْ علَى ألْحانِ الـمَعزوفَاتِ التي كانت تذيعها موجات الإذاعَة، فكانَ النوم يأتيني خلْسَةً دُونَ أنْ أطفئ المذياعَ، فيَظلُّ يَشتَغِلُ طَوالَ اللَّيلِ إلى أنْ أَستيقِظَ على البَرامجِ الصَّباحيَّةِ، كبرنامج كيفَ نقرأُ القُرآنَ، الذي كانت تَبثَّهُ الإذاعةُ الوطنِيَّة يومَ عطلةِ الأحَدِ، كانَ مُقدِّمهُ هو الأستاذ الـمُقرِئ عبد الحميد حسَايْن (رحمه الله)، ولا أنسى طريقتَهُ المفيدة في تعليمِ طَلبتِهِ والـمُستمِعين كيفيَّة التَّجويدِ...
لَمْ أكُ أرضَى أنْ يُطفِئَ أحَدٌ المذياعَ بعدَما أسْتسْلِمُ لهُجوُم الكَرَى، ولا أنْ يَمُدَّ أحدٌ يدَهُ ليكتِمَ صَوتهِ الـمُمتِعِ، ولأنَّ نَومي كانَ خفيفًا -وهذَا من غريبِ الأمُور- إذْ أنَّ أيَّ حركةٍ بجانبي تَجعلُني أستيقظ. لكنَّ المذياعَ أبدًا ما كانَ صوتُهُ يوقظُنِي، بل هو مَا يَدْفعُنِي إلى أعماقِ النَّوم الهَنيء. بمجرّدِ إسكاتِهِ أستيقظ فورًا، فأعيدُ تشغيله من جديدٍ، وغالبا ما كان يحدُثُ لي هذا... رغم أنَّ الوالِدة كانت توَبِّخُني أحيانًا على ذلك، بيدَ أنَّ مُتعةَ الاستماعِ للرّاديو، ومتعةَ النَّوم على صوتهِ الـمُهدهِدِ يُنسيانِي كلَّ شيءٍ.                                                                                         يتابع...
                  ------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
كتبها رشيد أمديون أبو حسام الدين، ونشرها بتاريخ: 03/07/2013

تعديل الرسالة …

ِيُوجدُ فِي صِنف|

18 تعليق على | ذِكرياتِي والمِذيَاع (1) |

إيمي يقول...
3 يوليو 2013 12:25 ص [حذف]

لستُ من جيل المذياع و أكرهه كره العمى :D
أذكر أن جدتي لم تكن تتحرك من بيتها دون مذياعها .. أما أمي فتحب أن تنصت إليه و هي في المطبخ ..

كل ذكرياتي معه هو أن أبي حين نذهب للبادية و نضطر للنوم في غرفة واحدة كان يشغله ليلا و يقلق نومي ..

و لأنه الاختراع الذي كان المصريون في المسلسلات يسمعون فيه هزيمة 1967 قررتُ أن أكرهه و أنا صغيرة .

كنتُ هنا .. :)

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...
3 يوليو 2013 12:35 ص [حذف]

@إيمي

ليس من الغرابة أن تختلف الميولات والأهواء، فكَوْن أنّي مثلا أرى في المذياع متعة وفائدة، وترين فيه عكس ذلك بل ترين فيه ازعاجا لك، فهذا أكيد راجع إلى ما تركه في خلفية كل منا. لكني أؤكد لك أنك لم تخوضي تجربة الانصات للمذياع لتعلمي معاني متعته، فما يحصل بالانصات أكثر أو أرسخ مما يحصل بالقراءة والمشاهدة.

على ذكرك أنه الاختراع الذي كان المصريون في المسلسلات يسمعون منه هزيمة 1967، فهو كان كذلك الوسيلة الوحيدة التي كان يتابع منها محمد الخامس رحمه الله أخبار المغرب حين كان في المنفى. :)
شكرا لوجودك خلف هذا الإدراج، وأرجو أن تكوني هنا غدا لقراءة الجزء الثاني ففيه أشياء أخرى.
مودتي

سعدية عبد الله يقول...
3 يوليو 2013 1:27 م [حذف]

الانصات فنٌ يحتاج إلى التدريب لنتقنه، هذا أراه أنا أيضاً :) أما قصتك مع المذياع فذكرتني بأخي الأكبر، لم يكن يعرف النوم إلا بعد أن يشغله بصوت عالٍ وكان خفيف النوم أيضاً يوقظه إطفاؤه !.. غريب أن تتطابق طباعكما لهذه الدرجة :)

تدوينتك رائعة بحق .. مقال ممتاز جدا
اسمح لي بعرضه على صفحتي :) لتعمّ الفائدة
لك التحية ..

سعدية عبد الله يقول...
3 يوليو 2013 1:27 م [حذف]

وبانتظار الجزء الثاني :)

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...
3 يوليو 2013 2:10 م [حذف]

@سعدية عبد الله

أسعد الله يومكِ أختي سعدية عبد الله.
أنا معكِ أن الإنصات فن يحتاج التدريب لإتقانه، خاصة لو فُهمَ أن هناك فرق بينه وبين الإستماع، وكذا الإصغاء، فهذا الأخير أعلى مراتب التلقي، الإصغاء.
حمدت الله أني لست الوحيد الذي كنت مولعا بالنوم على هدهدة المذياع، بل ولست الوحيد الذي يوقظه متم صوت المذياع :) مادام شقيقكِ لديه نفس الطبع والعادة. على فكرة مازلت أشعل الراديو من جهاز الاستقبال الخاص بالفضائيات، حين أريد النوم :)
إنها عادة لا يمكن الاستغناء عنها..

سأنتظر متابعتك للجزئين القادمين فهما يحملان الجديد.
وإلى ذلك الحين أقول أنرت المكان واسعدتيه. شكرًا.
أكيد تفضلي بعرض ما يحلو لك، لا مانع.
حياك الله

richardCatheart يقول...
3 يوليو 2013 2:19 م [حذف]

جميل البوست مكتوب بجمال وفصحى رائعة اسلوبك جميل فعلا بس الحق انا بكره الراديو جداااااااااااااااااا طول عمرى وحاولت كتير اسمه لكن لم اقبل عليه نهائى ... تسلم ايدك

Radwa Ashraf يقول...
3 يوليو 2013 4:27 م [حذف]

المذياع عندي مرتبط بجدي أولاً، الذي كان لا يجد طريقاً إلى النوم سوى بإستماعه للراديو. وكبرت وأصبح الراديو أحد أحلامي، فمن أحلامي الحالية أن يكون لي برنامج خاص على الراديو. الراديو أفضله كثيراً على التلفزيون.

الإنصات كما قلت فن. أعجبتني تدوينتك جداً :)

وجع البنفسج يقول...
3 يوليو 2013 4:48 م [حذف]

اذكر أني في فترة من الفترات وخاصة أيام الثانوية العامة كنت لا انام إلا على الراديو .. كنت اتركه مفتوحًا حتى اعرف أن أنام ؟؟ وكنت افضله عن التلفزيون .. واتابع برامجه وأسماء مقدمي البرامج ومواعيدها .. لدرجة أني كنت اتابع كرة القدم وكرة اليد من خلاله .. اه والله .. بس الحمدلله عدت تلك الفترة على خير .. وعدت لقواعدي سالمًا .. ^^

استمتعت بمروري هنا وأعدني لذكريات غالية على قلبي .

موناليزا يقول...
3 يوليو 2013 5:24 م [حذف]

أمي تعرف الساعة من برامج المذياع.. عكسي تماما :)
المذياع صباحا يذكرني بأيام المدرسة

عجبني جداً لغة التدوينة وفي انتظار البقية :)

heba atteya youssef يقول...
3 يوليو 2013 5:42 م [حذف]


أنْ أَفتَحَ قوْسًا لأتحدَّثَ أوَّلا عن مُـتعَةِ الإنْصَاتِ

لكونها مَبدئيًا أرْفَع منْ مُـتعَةِ الكَلامِ. .. تكتب هنا وكأنك تصف لحظه هاربه من الزمن أثناء التدقيق كمدون وكاتب .. وهنا تتجلي متعة الكتابة .. بتسجيل لحظي للزمن

فمَنْ أحْسَنَ الإِنْصَاتَ أَحْسَنَ الْقَوْلَ، .. دمت منصتاً

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...
3 يوليو 2013 8:25 م [حذف]

@richardCatheart

أهلا وسهلا بك: richardCatheart
أشكرك على رأيك في لغتي وأسلوبي.
بخصوص الراديو ثق أو ثقي أنه يعلم فن الإستماع والإنصات، ويفتح باب التخيّل والمتعة. لكن أكيد الميول والأذواق تختلف.
بارك الله فيك على هذه الزيارة الطيبة.

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...
3 يوليو 2013 8:29 م [حذف]

@Radwa Ashraf

أهلا بك رضوى أشرف.
إن استماع جدك للمذياع عند فترة النوم هنا يكمن السر الخفي والحس الجميل والمتعة التي أردت أن أشير لها عير السطور...
إن شاء الله بمجهوداتك وعملك تحققين حلمك.
واكيد أن الراديو له ايجابيات لن نجدها في التلفزيون.

شكرا لك، وسعدت بقراءتك :)

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...
3 يوليو 2013 8:31 م [حذف]

@وجع البنفسج

أولا أهلا بك أختي وجع البنفسج، مضى زمن لم أرى لك تعليقا خلف ادراجاتي، وأرجو أن تكوني بخير.

جميل ما ذكرت من ذكرياتك مع الراديو، فمجرد استحضارها متعة :)
شكرا لك ودمت بهيّة

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...
3 يوليو 2013 8:34 م [حذف]

@موناليزا

أهلا بك أختي موناليزا
المذياع عالم جميل، وارتباطنا بها ارتباط حسي، فمثلا على ذكرك أنه يذكرك صباحا بأيام المدرسة، فأنا اقول أن هناك برامج مختلفة تذكرني بفترات متنوعة، مساء، منتصف الليل، الصباح...
لكل برنامج علاقة بالوقت الذي إذيع فيه.

أشكرك على هذه القراءة الجميلة
حيّاكِ الله

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...
3 يوليو 2013 8:38 م [حذف]

@heba atteya youssef

أهلا بك أختي هبة
فعلا إني أستغل هذه الذكريات لقول أشياء كثيرة، وذكر أمور طالما استفزتني ودارت في خلدي.
أرجو فعلا أن أكون وفقت.
دمت بالبهاء ملتحفةً.
شكرا

أسما عمر يقول...
4 يوليو 2013 9:33 م [حذف]

تدوينة لطيفة أعادتني خطوات للوراء وذكرتني بمحطة من محطات حياتي حيث كنت بالمثل, مرتبطة بالمذياع ارتباطا وثيقا سرعان ما فك وضعف ومع ذلك لازالت معالمه بادية في حياتي ,
أسلوب جميل سرني المرور من هنا~
تحيتي

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...
4 يوليو 2013 11:06 م [حذف]

@أسما عمر

أهلا بك أسما عمر
لابد من ذلك الأثر مهما كبرنا مهما ابتعدنا.
أسعدني اعجابك بهذه التدوينة
شكرا لكِ

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...
4 يوليو 2013 11:07 م [حذف]

الجزء الثاني:
http://365-posts-11.blogspot.com/2013/07/2.html

اترك تعليقك على الموضوع

حرفٌ منك ضياءٌ للمكانِ