على تويتر على الفيسبوك الخلاصات

ضع النص هنا

ذِكرياتِي والمِذيَاع (2)

6 تعليق الخميس, يوليو 04, 2013 , مرسلة بواسطة رشيد أمديون. أبو حسام الدين
المِذياعُ : بوَّابَة إلى ثَقافاتٍ أخرى معَ الحِفاظِ على الأصْلِ
 الجزء الأول من هنا
كانَ الاستماعُ للرَّاديو استمتاعًا لا يخلُو من الفائدة، مع أنِّي كنتُ غير مُولعٍ بالأخبارِ (إلى يومنا هذا لا تُغريني)، بل كانت مُتابعتي تَـقتصِرُ على البرامجِ الثقافيَّة، أو التَّرفيهيَّة. حتى محطة "بي بي سي" كنتُ أتابعُ منها ما لهُ علاقة بالثَّقافة فحسب.
أذكرُ عندمَا كانَ عُمرِي الثَّالثَة َعشرَ عامًا كنتُ أتابعُ إذاعةَ "مُونْتِ كارلُو"، حينَ تَبثُّ برنامجينِ مَسيحِيين، كنتُ أحرصُ على متابعتهمَا ليلا قبلَ النَّومِ، البرنامجُ الأوَّل كان اسمه: نمشي معًا؛ والثَّاني: عبرَ الكتاب. لا أدري ولا أتذَكَّرُ ما الذي جرَّني إلى هذا النَّوع من البرامج، لكنَّني اعتبرتُ الأمرَ كنوعٍ من حبِّ الاكتشاف، خاصَّةً الأشياءَ التي لا يهتمُّ بها الكثيرون. فبالنِّسبة لأقراني لم تَكُ البرنامج المسيحيّة سيضيفُ لهم شيئًا - بالأخصِّ في مثل هذا السِّن- ولا قيمةَ لها عندَهُم لكونِهم على دينِ الإسلام، أمَّا أنا فرغمَ اِعتقادي الرَّاسخ وقناعتي المبكرَة أنَّ الإسلامَ هو الدّين الحقّ، وأنَّ النَّصرانيَّة كانت رسالةً سماويةً لكنَّ ما شابَها من تحريفٍ جعلهَا دينًا متجاوزًا خاصَّةً لمَّا نسخهَا الإسلامُ... رغمَ ذلكَ تطلَّعتُ إلى ما عندَ الغَيرِ.

وطبعًا ليسَ هذا مقامًا لذكرِ كلِّ شيءٍ عنِ التَّنصيرِ، لكنِّي سأشيرُ لجانبٍ مهِمٍ، وهو أنَّ بعضَ المسلمينَ وهم قلَّة تأثروا بحملاتِ التَّبشيرِ فتنصَّروا، فصرتُ بعدهَا أطرحُ التَّساؤلَ الذي يفرضُ نفسَهُ ما الذي وجَدُوه في النَّصرانيَّةِ الحديثة ولم يجدُوه في الإسلامِ المتَكامِلِ البناءِ في كُليَّاتِهِ وأصُولهِ، حتى بدَّلوا دينهم؟، مع أنَّ كلَّ ما تنشرُه الحملات التبشيريَّة يعتبرُ كلاما لا يَستنِدُ لمنطقٍ، يعني، قائمٌ على مَبدَإِ: آمِنْ واتّبعني. وخير دليلٍ هو الأقانيم الثَّلاثة (الأبُ؛ الإِبنُ؛ روحُ القُدُسِ) فهيَّ في عقيدتِهم إله واحدٌ!!.
قلتُ وقتها - ومَا زلِتُ أقول- رغم كلّ هذا فلا مانعَ من معرفةِ ما يدعُو إليهِ النَّصارَى، مادامت عقيدتي لنْ تتأثـَّرَ. هناكَ حدِيثٌ لحذيفةَ بنَ اليَمانِ - في الصّحيحَين- يروي فيهِ أنـَّه كانَ يسألُ رسولَ اللهِ (صلَى اللهُ عليه وسلَّم) عنِ الشَّرِّ حينَ كان الناسُ يسألونهُ عن الخيرِ، فأفصَحَ هذا الصَّحابيُّ عن سببِ ذلكَ بقولِهِ: (مخافةَ أنْ يدركَني)، أي الشَّر. فهو كانَ يسألُ عمَّا سَيحدثُ من فتنٍ بعد عهدِ النبوَّة، وغالبية أحاديثِ الفتنةِ رواها هذا الصَّحابيّ (رضي الله عنه). وحتى لا يختلطَ الفهم وتعتريهِ الرِّيبة؛ فإنـِّي هنا لا استدلُّ بهذا الحديثِ لتبرير هذا الأمرِ فهو قياسٌ من باب الاستِـئـناسِ مع وجودِ الفارق، والعامل المشترك - إنْ وُجِد- بينَ السابقِ من كلامي وبينَ الحديثِ الشَّريف، فهو معرفة ما يُحيط بي من أمورٍ حاضرة أو غائبة.
وأعودُ كي أقول أنِّي لم أقتنع يومًا ولم تعرف الرّيبةُ إليّ سبيلا رغمَ كلّ متابعاتي لبرامجهم عبر الراديُو بل وبعد مرحلةِ الرَّاديو أيضًا، تلك المرحلة التي أسَمِّيها بمرحلةِ البحث في الكتب... والإنجيلِ!، نعم الإنجيل؛ لأنِّي بعدَ سنواتٍ حصلتُ عليهِ، وكان ذلك عن طريقِ حارسِ السيَّارات أخبرني أنَّهُ وجدَهُ مطروحًا في زاوية ما مع شريط لحياة المسيح مدبلج إلى العاميَّة، فأعطاني الكتابَ وهو لا يعلمُ فحواه وعذره أنَّه أمِّيّ. وهذا حدث بعد تجاوزي سنَّ العشرين... وجدتُ نفسي بفضلِ المتابعة أفهمُ جيدًا ما يقصدُهُ النَّصارى من الثَّالُوثِ والخلاص؛ والحياةِ الأبديَّة ودور المسيح كمُخلِّصٍ؛ وما اختلفَ فيه المسلمون مع المسحيِّين، وهذا بالتّحديد إبَّانَ الفترة التي انتشرت فيها أشرطةُ المناظراتِ المشهورة بين أحمد ديدات (رحمه الله) وبين القسِّيسين...
لكنِّي أبدًا ما فَكّرتُ في أنْ أتنَصَّر ولا أن أغيَّر ديني، وإن كنت لا أنكِرُ أنَّ برامجهُم الإذاعيَّة التي كانت محطةُ "مُونت كارلو" تذيعها بالفصحى حينًا وباللَّهجة الجزائية حينًا وأيضا المغربيَّة، وأخرى بالأمازيغيَّة (القبَايْليَّة الجزائرية)، كانت مُمتعةً بالنسبَة لي، خاصَّةً التَّمثيليَّات، كمثلِ: "قلَّنا يا عمّ صالح"...
لم تتغيَّرْ عَقيدتي. كانَ يقيني أنَّ ما أسمعُه هو من باب التَّعرُّفِ والاستطلاعِ وتحصِيلِ المعلومات لا غير؛ إضافةً إلى بحثي كان في الإسلاميَّات أيضًا، فمن لم يعرفْ دينَهُ سَهُلَ وُقُوعهُ في الهَاوِيَّة. بَيْدَ أنِّي أتأسَّفُ!، ففي هذهِ المرحلة بالذّات كان بعض الوُعّاظِ والدُّعاة الذين خُوِّلَ إليهم دَور دعوةِ النَّاس ووعظهم يَنهجونَ طريقةً لا تُساير العصرَ، وحتَّى البرامجَ الإسلاميَّة على نُدرتِها لا تقدِّمُ الوجهَ الأنسَب للإسلامِ، كان أغلبها ينصبُّ على أسئلةِ الإفتاءِ في الوضوءِ الصلاة والصيامِ والإرث وغيرها.. كالتي كان يقدمها برنامجُ رُكنُ المُفتي عبرَ التَّلفزةِ المغربيَّة كلَّ جمعةٍ، بخلافِ حملاتِ التَّنصير، كانت لها خريطةٌ عجيبة في تحبيبِ النَّاس في نصرانيتهم؛ عن طريقِ الحكاياتِ حولَ المسيح والعذراءِ وعن الخلاص، والحياة الأبدية، والمحبة... طريقة متقدِّمة في نشر دعوتهم، كانوا يتقنون تزينها وتقديمها للنَّاس على طبقٍ من الجمالِ كالذي يُقدِّمُ السُّم في الدَّسم، وهذا من حقهِم ماداموا مقتنعينَ بعقيدتهم، فكل يُروِّجُ بضاعتَهُ بالشَّكلِ الذي يراهُ صالحًا، ولأنَّهم نظروا في أحسنِ طريقةٍ لجلْبِ الناس فاهتدوا إليهَا، رغم أنَّ النّصرانيَّة لم تكن منذُ بعثةِ المسيحِ عليهِ السَّلام دينًا عالميًا كالإسلام، فهي تخصُّ شعبًا معينًا، اسمُهُ بنو إسرائيل، وهذا بنصِّ الإنجيل (متَّى) إذ يقول: (لم أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّة).
وحتى الشيطان فإنَّهُ يزيّن وَسوَستهُ، يزينُ للناس أعمالهم ليغريهم. غير أننا في ذاك الوقت وقبلها بسنوات كنا نتعارك في المساجد حول الأصح القبض أم السَّدل في الصلاة، وكان بعض الجُهَّال يطردونُ من صلَّى بالقبض تعصبًا منهم، لا لشيء إلا لأنَّ عبدَ الواحدِ بنَ عاشرٍ المالكيّ* قال به. نتخاصم على الفروع ونهدم الأصول التي هي الوحدة والأخوة، يا ليتَ شِعري لِمَّ سُنَّتِ الصُّفوف للصَّلاة ولمَّ جُعِلت المساجد والجُمَع إن كان فرعٌ واحدٌ سينقضُ هذا البناء!!. كان هناك من يُكفّر ويُزندِق من خالف منهجًا أو مذهبًا... للأسف من الدعاة من أدركَ متأخرًا أنَّ الوسائل الحديثة وعاء للتبليغ ونشر الإسلام باللِّين وبلا إكراه، وبالعلم لا بالعاطفة والتعصُّب، والتَّشبِّع بفقهِ الإختلاف.

الآن الدعاة صاروا نجومًا على الفضائيات، لكن هل تغير شيء؟ سؤال لن أجيب عنه، لأنَّ الحياة المعاصرة تجيب بالنيابة عنا.                    يتابع...
  ------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
* (1582م-1632م). في منظومته الفقهيه المرشد المعين/ كتاب الصلاة:
"سَدْلُ يدٍ تكبيرُهُ مَع الشُّرُوع". 
* أعتذر على طول هذا الجزء، فلم أستطع تقسيمه لترابطه.
كتبها رشيد أمديون أبو حسام الدين، ونشرها بتاريخ: 04/07/2013

تعديل الرسالة …

ِيُوجدُ فِي صِنف|

6 تعليق على | ذِكرياتِي والمِذيَاع (2) |

heba atteya youssef يقول...
4 يوليو 2013 2:01 م [حذف]


غير أننا في ذاك الوقت وقبلها بسنوات كنا نتعارك في المساجد حول الأصح القبض أم السَّدل في الصلاة، وكان بعض الجُهَّال يطردونُ من صلَّى بالقبض تعصبًا منهم، لا لشيء إلا لأنَّ عبدَ الواحدِ بنَ عاشرٍ المالكيّ* قال به. نتخاصم على الفروع ونهدم الأصول التي هي الوحدة والأخوة،

للأسف من الدعاة من أدركَ متأخرًا أنَّ الوسائل الحديثة وعاء للتبليغ ونشر الإسلام باللِّين وبلا إكراه، وبالعلم لا بالعاطفة والتعصُّب، والتَّشبِّع بفقهِ الإختلاف.
الآن الدعاة صاروا نجومًا على الفضائيات، لكن هل تغير شيء؟ سؤال لن أجيب عنه، لأنَّ الحياة المعاصرة تجيب بالنيابة عنا.


فعلاُ عندك حق .. من الكتابات الأكثر حيادية التي قرأتها حتي الأن

دام نبض قلمك ..

تحياتي .. دمت متميزاً

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...
4 يوليو 2013 9:34 م [حذف]

@heba atteya youssef

أختي هبة، بسعادة أستقبل تعليقاتك البهية.
فأنا شاكر لك بحكم السماء.

محمد نبيل يقول...
5 يوليو 2013 1:13 ص [حذف]

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخى رشيد ..

تخيل أنى أيضاً كنت أتابع هذين البرنامجين بانتظام على إذاعة " مونت كارلو " وكنت أستمتع بهما مع ثبات عقيدتى , ولكنى كنتُ أفعل ذلك فى فترة الجامعة , وكنت أفعله بغرض معرفة معتقدات ومفاهيم أناسٍ يشاركونى الوطن , وكذلك بنية أن تكون لدىَّ القدرة على دعوة بعض زملائى المسيحيين فى الكلية إلى الإسلام , ولكن للأسف فتر حماسى بعد فترة فتوقفت.

أشاركك الذكريات الجميلة أخى

Hanan w Haneen يقول...
5 يوليو 2013 12:22 م [حذف]

فكرة حلوة انك تحاول تعرف مفاهيمهم ومعتقداتهم ومع ذلك تثبت على موقفك ودينك بعكس اخرين تجرهم الفتنة وهواهم لتغيير عقيدتهم ..

الحمد لله على نعمة الاسلام مهما كان بيمنعنا من حاجات فده علشان يحافظ علينا .. وغالبا اللى بتحكى عنهم انك مستغرب ايه خلاهم يتنصروا فهو اكيد التحرر الاكتر عندهم ..

كنت هنا ^_^

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...
6 يوليو 2013 1:26 ص [حذف]

@محمد نبيل

وعليكم السلام ورحمه ةالله أخي محمد نبيل.

وجدت إذن شيئا مشتركا بيني وبينك، وهذا جميل، ولعل ميولنا فيما أعتقد تتجه إلأى منحى واحد.

بارك الله فيك صديقي

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...
6 يوليو 2013 1:27 ص [حذف]

@Hanan w Haneen

أختي حنان أهلا بكِ
نعم صدقت أن هناك جانب التحرر، وهناك أيضا جانب عدم الدراية الكلية بالاسلام.

شكرا لهذا التعليق الجميل، وأنا سعيد بزيارتك لحوليات رشيد.

اترك تعليقك على الموضوع

حرفٌ منك ضياءٌ للمكانِ